جزائر القطار وقطار الجزائر

إذا كنت تريد أن تعرف واقع الجزائريين من كل الجوانب، فنصيحتي الأولى لك لن تكون بتصفح الجرائد ولا بمشاهدة تلفزيون اليتيمة، ولا بزيارة مختص نفساني أو اجتماعي وبطبيعة الحال أنهاك أن تستمع إلى خطاب سياسي أو تقييم لمسئول جزائري بعيد كل البعد عن حياة أغلب الجزائريين، ولكن أن ترى الوضعية الاجتماعية الحقيقية في كل جوانبها المعيشية والأخلاقية والنفسية والتعليمية والثقافية وحتى آراء الجمهور في السياسة وتسيير البلد .. هناك طريق واحد هو القطار.. فمن خلال قطار الجزائر ستعرف واقعها ، وجزائر القطار التي ستجدها هي المختصر المفيد لواقع الجزائر..

من عادتي عندما أسافر بالقطار أن أشتري جريدة أو اثنتين وهذه العادة اكتسبتها حتى لا تكون لي فرصة يومية لسماع شكاوى الناس وسبابهم وخصامهم ولا حتى النظر إلى شيء جميل أو غير جميل ، لا إلى صاحب لحية عديم الابتسامة ولباس نصف الساق ولا إلى سافرة ذات مكياج بشع الألوان ولباس ربع الساق..

هذا اليوم تأخرت عن القطار، فكانت عواقب ألا يكون معي جريدة عواقب وخيمة، وصلت جاريا إلى المحطة متمنيا أن يتأخر القطار أيضا، وصلت بعد عشر دقائق من موعد القطار ولم أكن مندهشا من أن القطار سيتأخر أكثر مني بالضعف، لكن أن أجد أكثر من قطار متأخر فهو أمر لا يدهشني أيضا ، فالقطار المتوجه إلى البليدة باق في المحطة لأكثر من ساعة بسبب عطل فني على إثر نفاذ مادة المازوت في بلاد البترول، وعلى رصيف آخر قطار السلع توقف من أجل أن يساعد المسافرين بإمدادهم بقاطرته لأن (الغاشي) أغلى من السلع .. وهنا يأتي القطار المتوجه إلى العاصمة وقد تأخر 25دقيقة، ليبقى راكدا هو أيضا في المحطة.. ما مشكلته؟ سألت رئيس المحطة وأفهمتني أن هناك قاطرة في طريقه وهي قاطرة الإسعاف التي ستأخذ القطار المتوجه إلى البليدة، ولكن لا تستطيع القاطرة العودة إلى الوراء ولا يستطيع هو أيضا  .. وكذا وكذا.. حسب معلومات المصدر، كانت تفهمني وكنت أهز رأسي بنعم، ولا شك أنكم لم تفهموا ما كنت أقول، أنا أيضا لم أفهم ما جرى بالضبط.. ركبت القطار منتظرا موعد انطلاقه ، متذمرا من أعماقي عن هذا البلد عن هذا التخلف الذي نعيشه ومتسائلا في نفسي: لكن ماذا كانت تقول صاحبة الميني رئيسة المحطة؟ .. في عصر الإنترنت والتقنيات المتطورة وكبسات الأزرار التي تسير قطارات البلدان المتطورة، لا نزال نبكي ونجري على أن نوقف قاطرة ونشغل أخرى.. وبين ما يجري خارج القطار وداخله تشابه كبير في التخلف، بين معدات الدولة الغنية والمليئة خزائنها بملايير الدولارات (حسب ما يقولون)، و بين مستوى الشعب المتخلف الفقير الذي يشتكي فقره (ويصرف معدل 2000دج شهريا على الهواتف) بين مستوى تسيير المؤسسات الجزائرية وبين التخلف في العقلية للجزائريين، بين كذب المسئولين وأمراض الإدارة الجزائرية وبين أخلاق الفرد الجزائري التي هي نفسها أمراض الإدارة الجزائرية.. مظاهر داخل القطار تتعب نفسك الي تتوق إلى عمل مميز أو دراسة جادة من أجل الرقي بهذا الوطن، لكن هيهات أن يحدث ذلك وأنت ترى واقع البلاد.

أن ترى الناس لا زالوا يمارسون أو يبيعون بهيئة التسول أو يتسولون بهيئة البيع ، شيخ في السبعين يبيع المناديل الورقية وطالب جامعي يحمل في يده علب سيجارة ليبيعها في طريقه إلى الجامعة، طفل في العاشرة من عمره يبيع القوفريط ، ونساء يشكلون حلقة وسط القطار وهن قاصدات جيوب المؤمنين الجزائريين الذين ينفقون مما كسبوا ، مظاهر تذكرك بفقرنا وغنى خزينتنا (عفوا.. خزينتهم) وتستشيط غضبا، فترى وتسمع الناس تشتكي وتسمع ما لا يخطر على قلبك من سباب للمسئولين، وتسمع آخرين يقولون نحن أفضل من كثير من الدول، وآخرين يتحدثون عن مستوى الديمقراطية والحرية ويماثلون بيننا وبين المغرب ومصر وتونس والسعودية، واحد يقول نحن نستطيع أن نقول ما نريد في حكامنا، وهناك حقوق الإنسان فليس من حق السلطة تعذيب الأفراد، وآخر يرى أننا بحرية نستطيع بها المحافظة على ديننا، وآخر يقول نحن نعاني من الحرية التي أفاضت كأس الرذيلة وأطاحت بمستوى الأخلاق..إذا تركت ندوة هؤلاء وصرفت نظرك إلى آخرين لا يبالون بما يحدث في الجزائر، ترى مراهقا في الخامسة عشر من عمره يخاصم شيخا في السبعين، و أن ترى فتاة تعاكس شابا ، فهذا تطور عظيم إلى الأسفل في الأخلاق.. ومن شدة فقرنا وغضبنا ودنو أخلاقنا، تجد الناس تركب مجانا في القطار، لا تقتني التذاكر، وإذا التقى الواحد بالكونترول، فإنه يزيد عليه أن يسبه ويشتم.. “ما نخلصش.. وافعل ما تريد.. خذ بطاقتي.. خذني معك..”

وأنا أقول ” هل أعجبكم قطار الجزائر ، أم جزائر القطار؟”

أكيد…. الشباب يبحث عن “بابور لوروب” bachot à l’Europe  .. يعني “زورق لأوروبا”

“الحرقة” أحسن

اترك رد